الخميس، 17 مايو، 2012

دروب التغيير والتغيير المنشود


دروب التغيير والتغيير المنشود

عبد الله ولد سيداتى
عبد الله ولد سيداتى
تشهد البلاد فى الوقت الراهن وضعا اقتصاديا واجتماعيا بالغ الخطورة وانسدادا سياسيا غير مسبوق ولا قابل للاستمرار نتيجة لسياسات مدمرة استمرت لعقود ووصلت مداها مع نظام ولد عبد العزيز الذي عجز عن أي شيء سوى التخريب : وأد الديمقراطية ، تكريس حكم الفرد ، نهب الثروة ، قمع المواطن ، ضرب الوحدة الوطنية وخطف البلد إلى المجهول .. وبالطبع لا بد من نهاية ما ، وهنا تبرز ثلاث قوى أساسية مرشحة ، بدرجة أو بأخرى ، للمساهمة في وضع هذه النهاية ورسم ملامحها بغض النظر عن قيمة تلك النهاية وأثرها على مستقبل البلد وتحقيق تطلعات شعبه .

أولى هذه القوى هي العسكر وهى قوة حاضرة ولديها أسبابها العديدة - ربما – للتدخل وقد يكون احتمال تدخلها – مع الأسف – فى الظرف الراهن هو الأقوى لكنه إن حدث سيكون بالغ السوء على مستقبل البلد فقد ثبت أن العسكر هم أصل الداء في سياسة هذا البلد وأنه ليس لديهم أصلا ما يعطونه فى مجال الحكم إلا هذا الحصاد الوخيم ، فقد حرمت الانقلابات العسكرية البلد طوال عشرات السنين من التراكم السياسي المدنى وتسببت بشبه عقم في الطبقة السياسية جراء حرمانها لعقود من الممارسة السياسية الحقيقية وشغلها بالفتات والقشور والحرص الشديد على إظهارها مظهر العاجز والفاشل والمتشرذم ، وخطف كل سانحة تلوح في الأفق تسمح لها بأخذ زمام المبادرة . كلما أفلس نظام عسكري وأسند ظهره إلى الحائط وأوشكت قواه على الانهيار، انبرى عسكري لإنقاذه وتجديده فتسرق الثمرة ويؤد الأمل ليتعمق وعى جمعى زائف وبائس بعدم أهلية المدنيين للحكم أصلا وأن قدر البلد حكم العسكر !

القوة الثانية : هى الأحزاب السياسية المنضوية تحت (منسقية المعارضة الديمقراطية) حتى الآن وهذه وإن كانت رأس الحربة والشوكة الحادة في خاصرة النظام وصاحبة الفضل في حشره في ا لزاوية سياسيا إلا أنه لم يعد لها الكثير مما يمكنها إنجازه نظرا لدرجة الانسداد السياسي في البلد من جهة ، والوضعية القانونية والطبيعة السياسية للأحزاب من جهة أخرى ، فالأحزاب مؤسسات قانونية سياسية مصممة أصلا للتنافس فيما بينها لاستلام السلطة عبر برامج ورأى وضمن قواعد ونظم قانونية وسياسية محددة وحين يحصل الانسداد وتتعطل الانتخابات وتغيب البرامج ويصبح الهدف "إسقاط النظام" لا تكون المهمة حينئذ وظيفة الأحزاب بل ربما تصبح الأحزاب آنذاك عبئا على التغيير الحقيقي بسبب السقوف القانونية التي تحكمها والحسابات الداخلية التي تسكنها والتنافس الذي يطبع العلاقة بينها فهذه العوامل تمنعها من الذهاب بعيدا وراء حدود القانون والحسابات السياسية ، كما أن الطبيعة الحزبية والرمزية السياسية للمتصارعين تساهم في تكوين نظرة سلبية لدى قاعدة عريضة من الجماهير تجاه الحراك فلا ترى فيه إلا اصطفافا سياسيا وصراعا على السلطة لا يعنيها فى شيء ، كما أنه يمثل بيئة خصبة للمساومات والمبادرات السياسية الداخلية والخارجية التي تهدف فى الغالب لشراء الوقت ، وفى أحسن الأحوال لأنصاف أو أرباع الحلول ولكنها لا تؤدى قطعا إلى الهدف المنشود ومهما ناضلت المنسقية وصبرت على عسف النظام وقواه المنية فمن المستبعد أن تصل إلى إسقاطه طالما بقيت الأحزاب هى رأس الحربة فى الصراع . يوشك إذا أن تستنفد الأحزاب السياسية طاقتها فى منتصف الطريق وقد آن الأوان لإفساح المجال وتهيئة الظروف لقوة التغيير الحقيقية .

القوة الثالثة المرشحة للتغيير:القوى الشعبية الاجتماعية كالشباب والعمال والفئات والمبادرات وهذه هى أداة التغيير الجذري الحقيقي المنشود التي يتعين الركون إليها لما تتمتع به من خصائص : أولاها : أنها لا تطمح للسلطة وهذا يقربها من نبض الشارع وينأى بها عن الحسابات السياسية والمساومات والرضا بالحلول الجزئية ، ثانيتها: أنها غير قانونية فليس لها سقف تنحنى تحته ولا خطوط حمراء تقف دونها سوى المبادئ والقيم ، ثم هى ، إلى ذلك، أداة الإنتاج وشريان الحياة بإمكانها التأثير على حياة المواطن اليومية بطرق مختلفة : إضرابات ،اعتصامات ،عصيان مدنى.. ولا يضير هذه القوى كونها منحدرة من الأحزاب أو محسوبة عليها طالما هى مستقلة القرار بعيدة عن تحكم الساسة وحساباتهم .

إن جماهير الشباب وقطاعات العمال واتحادات الطلاب وجميع الأحرار وأصحاب القلوب الحية مدعوون اليوم للنزول إلى الميدان لصناعة التغيير المنشود حسما للداء العضال قبل فوات الأوان ، قبل أن يتدخل الجيش فنعود إلى العهود السحيقة ، أو تسقط الأحزاب مكرهة فى لعبة التفاوض والتقاسم . لامجال اليوم للمسكنات والحلول التقليدية ، لأن التجربة أثبتت فشل كل تلك الحلول . إن الوطن يستحق منا التضحيات ، وهو ينزف الآن ، فلنهب جميعا لإنقاذه .

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
|